العلامة المجلسي

88

بحار الأنوار

إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم ، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء ، وفيه منافع اخر أنت بها عارف ، وعن عظم موقعها غافل ، فإنه سوى الامر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها ، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الذي يغشاها ، وبه يبل التراب فيصلح للاعتمال ، وبه نكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه وبه يستحم المتعب الكال فيجد الراحة من أوصابه ، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها . فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت : ما الإرب فيه ؟ فاعلم أنه مكتنف ومضطرب مالا يحصى من أصناف السمك ودواب البحر ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر وأصناف شتى تستخرج من البحر وفي سواحله منابت العود اليلنجوج وضروب من الطيب والعقاقير ، ثم هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة ، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق إلى العراق ، فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت ( 1 ) وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها ، لان أجر حملها كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها ، وكان يجتمع في ذلك أمران : أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها ، والآخر : انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها . وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار التي يتحير فيه ويعجز عما يخول إلى السحاب والضباب أولا أولا ، وقد تقدم من صفته ما فيه كفاية . والنار أيضا كذلك ، فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين لغنائها في كثير من المصالح ، فجعلت كالمخزونة في الأخشاب تلتمس عند الحاجة إليها وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبوا ، فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك ، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كلما هي فيه ، بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها

--> ( 1 ) بار السوق أو السلعة : كسدت .